عدسة النقص: كيف نُربّي عقولنا على اللاكفاية ونُدمّر أجمل ما لدينا؟

في زمنٍ تعاظمت فيه أوهام الكمال، وتحوّلت العلاقات إلى ساحة تقييم لا ساحة احتواء، يغوص هذا المقال في عمق المفارقة النفسية التي تجعل العقل يدمن النظر إلى ما ينقص، ويتعامى عن وفرة ما يُمنح. عبر عدسة علم النفس، وعين التأمل الفلسفي، نعيد تشكيل السؤال: لماذا لا نكتفي؟ ولماذا يبدو النقص دائمًا أبهى مما لدينا؟ هذا النص ليس عن العلاقات فقط، بل عن الإنسان حين يُربّي وعيه على اللاكفاية، ثم يتساءل لماذا لا يشعر بالرضى.

عدسة النقص: كيف نُربّي عقولنا على اللاكفاية ونُدمّر أجمل ما لدينا؟
لماذا لا نرى الكفاية حتى حين نملكها؟ رحلة في علم النفس والعلاقات


في كل علاقة، كما في كل تجربة إنسانية، هناك شيء خفي لا يُقال، لكنه يتحكّم في المشهد بأكمله: طريقة عقلنا في وزن الأشياء. وحين يُعاد تشكيل الوعي بعد انتهاء العلاقة، وبعد أن تنطفئ الأصوات وتخفت الإشارات ويتبخر الروتين اليوميّ في رئة النسيان، لا نُفاجأ بما خسرنا بقدر ما نُفاجأ بما كنا نملكه ولم نرَه. ندرك – متأخرين – أن الاكتمال لم يكن غائبًا، بل كنا نحن الغائبين عن رؤيته. وأن النقص لم يكن نقصًا فعليًا، بل عدسة مجهرية صنعها العقل ليضخّم ما لم ينسجم، ويقلّل ما انسجم حتى أصبح تكراره يُخفي جماله.

لكن لماذا نُربّي وعينا – طوعًا أو غفلة – على ملاحقة الجزء الناقص، حتى لو كان 10%؟ لماذا لا يتسع البصر ولا البصيرة لرؤية الامتلاء في الـ90% التي حصلنا عليها؟ لماذا نُطيل النظر إلى ما لم يكن، ونتعامى عن كل ما كان؟

في عمق العلاقة: حين يُصبح التوق إلى الكمال سلوكًا مَرَضِيًّا

ما لا يُقال في كتب تطوير الذات، ولا يُفكك في نصوص الحب، أن بعض العقول تدمن فكرة النقص، لا لفراغ حقيقي، بل لعجز دائم عن الشعور بالاكتفاء. حين يهبك الآخر أغلب ما تحتاج – من احتواء وتفهم، من وقت ودفء، من مشاركته لطقوسك الصغيرة وتحمّله لأخطائك الكبيرة – فإن ما يُغيّب الرضى ليس قلة العطاء، بل اعتياد النعمة.

في لحظة اللاوعي، يبدأ العقل في البحث عن الكسر داخل الكمال. يبدأ بـ"لكن" صغيرة، يكبرها كل يوم حتى تتحوّل إلى "لا يكفيني"، و"لماذا لا يفعل كذا؟"، و"هذا غير موجود فيه". وتُصبح هذه الـ10% الناقصة هي مركز الوعي، هي معيار العلاقة، هي البؤرة التي تتجمع حولها كل أحكامنا. لا لأن النقص حقيقي، بل لأن النفس المربكة داخليًا تبحث عن ذريعة للهروب من مواجهة نفسها.

فتنة النقص: وهم الكمال في المجهول

حين يغيب الشريك – طوعًا أو غفلة – تبدأ مرحلة "الهوس المُؤجّل". تلك المرحلة التي تسبق الندم، وتُحركها فكرة أن الحياة قد تكون أجمل لو كنا مع شخصٍ آخر يمنحنا ما لم نُمنح. فنبدأ بتضخيم الناقص، وإعادة تدوير سيناريوهات افتراضية لاختبار كيف ستكون الحياة مع من يُشبعنا تمامًا.

لكننا لا نلبث أن نكتشف أن من في الخارج لا يمنح حتى 40% مما كنا نملكه. أن تلك الـ10% التي افتقدناها، لا تكفي وحدها لبناء بيت، ولا لصناعة حوار، ولا لتحمّل فترات الغضب والصمت والخوف. وأن 90% التي كنا نراها مملة، هي في الحقيقة حاضن الاستقرار، وسقف الأمان، وسجادة الصلاة اليومية لعاطفة كانت تشتغل بصمت.

حين تكون العلاقة تمرينًا على الرؤية، لا فقط على التفاهم

العلاقات لا تنهار دائمًا لأن الطرف الآخر تغيّر، بل لأن زاوية الرؤية تغيّرت. والكارثة ليست في أن ترى الطرف الآخر ناقصًا، بل في أن تُحاكمه بذلك النقص، وتنسى كل ما اكتمل فيه.

الوعي لا يُقاس بقدرتك على ملاحظة ما لا يعجبك، بل بقدرتك على الاحتفاء بما يُبهجك رغم أنه ليس مثاليًا. أن ترى النور رغم وجود الظل. أن تتقبّل أن الإنسان لا يُحاط بالكمال، بل يُرافقه من يشبهه في طريقة احتواء النقص. فكل علاقة ناجحة هي اتفاق غير مكتوب على أن الحب لا يعني الامتلاء، بل تقبّل النقص دون أن تُحوّله إلى عذر للانسحاب.

عدسة النقص: حين يتحول العقل إلى آلة تضخيم لا نهائية

في كل إنسان عدسة داخلية خفية، لا ترى الواقع كما هو، بل تلوّنه، تُكبّره، تُقلّبه، وتعيد تشكيله وفق ما يتلقاه العقل من تفضيلات نفسية وتجارب سابقة وتحيزات غير واعية. هذه العدسة حين تختل، تصبح سلاحًا ذا حد واحد: حدٌّ يجرح العلاقات، ويدمّر الاستقرار، ويجعل الإنسان في حالة جوعٍ عاطفي دائم، لا لأن الآخر لا يعطي، بل لأن ما يُعطى لا يُرى.

عدسة النقص ليست طارئة على النفس، بل هي ثمرة زمن طويل من المراكمة اللاواعية لرسائل داخلية تقول: "ما لديك ليس كافيًا"، "تستحق أكثر"، "ربما هناك ما هو أفضل في مكانٍ آخر". هذه الرسائل لا تنشأ من الفراغ، بل من ثقافة اجتماعية تمجّد الامتلاك الكامل، وتُغذّي فانتازيا العلاقة المطلقة، التي يكون فيها الآخر نسخة مطابقة لرغباتك لا شريكًا لحقيقتك.

العقل في لحظات اللاكفاية لا يتعامل مع ما هو موجود، بل يُمارس انتقائية قاتلة؛ يُعزل التفاصيل الجميلة، ويُسلّط الضوء على التفصيلة الناقصة، ثم يبدأ في تدويرها، تكبيرها، ونحتها في جدار الوعي حتى تبدو وكأنها العائق الوحيد أمام السعادة. ولأن العقل يُحب ما يُكرّره، فإن هذا التركيز يتحوّل إلى عادة معرفية: لا يرى إلا ما يُزعجه، ولا يشعر إلا بما ينقصه، حتى في أوقات الوفرة.

المعضلة هنا ليست فقط في الرؤية، بل في التفسير. فحين ترى شيئًا ناقصًا في الشريك، لا تقف عند وصفه، بل تبني عليه سردية: "هو لا يهتم"، "هي لا تفهمني"، "لو كان يحبني لفعل كذا"، وهكذا تصبح العدسة أداة بناء لواقع مشوّه، يعكس الخيال أكثر مما يعكس الحقيقة.

وما يزيد هذا التشوّه تعقيدًا هو أن العقل لا يكتفي بملاحظة النقص، بل يقارن به، يُضخّمه عبر استدعاء نماذج مثالية – من الماضي أو من خيال الآخرين – ثم يُسقِط هذا المثالي على واقعه، ليُصبح كل ما هو حيّ وواقعي ومتوفر، باهتًا أمام ما لم يُعش أصلًا.

وهكذا تتحوّل العلاقة إلى ساحة فراغ: الآخر يُعطي، لكن ما يُعطى لا يُرى. يُكرّر حضوره، لكن العقل لا يسجّل إلا غيابه في مساحة صغيرة جدًا قد لا تعني شيئًا في المشهد الكبير، لكنها تكفي لإدانته، وتبرير التذمر منه، وربما الانسحاب.

ولأن العقل يحمي قناعاته كمن يدافع عن أرضه، فإنه يرفض أي محاولة لإعادة ضبط العدسة. كل من يحاول أن يُذكرك بجمال ما لديك، يُتهم بأنه "لا يفهمك"، وكل نصيحة بالرضى تُفسّر كدعوة للتنازل. وهكذا تستمر الحلقة، ويستمر العقل في الدوران داخل نفق واحد: نفق يرى النقص، ويعيد صناعته، ويعيش عليه.

إنها آلية دفاعية في جوهرها، لكنها تُخفي خلفها اضطرابًا أعمق: الخوف من الثبات. فمن يُدمن عدسة النقص، هو غالبًا من لم يتصالح مع فكرة الاكتفاء، من يرى في السكون تهديدًا، وفي الاستقرار مللًا، وفي الرضى جمودًا. لذلك يبحث دائمًا عن نقص جديد، ليُبقي نفسه في حالة "محاولة"، لا في حالة "تقدير".

وفي هذه الدوامة، لا تخسر فقط الشريك، بل تخسر أنت نفسك. لأنك تفقد القدرة على الفرح بما لديك، وتفقد احترامك لعقلك حين تكتشف، متأخرًا، أنه كان يعيش في وهمٍ صنعه بنفسه.

فمن يُدرّب عقله على النقص، لن يرى الجمال حتى لو كان محاطًا به من كل الجهات.

علم النفس وعدسة النقص: كيف يخدعنا العقل ونعتقد أننا نرى بوضوح؟

في علم النفس المعرفي، هناك فرضية مركزية تنص على أن الإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل كما يُرشّحه له عقله. هذا الترشّح لا يكون محايدًا، بل يتأثر بمعتقدات سابقة، وتصورات متجذرة، وتجارب سابقة شكلت ما يُسمى في علم النفس التحيّزات المعرفية (Cognitive Biases). وعدسة النقص – كما ناقشناها – ليست إلا أحد تمظهرات هذه التحيزات، لكنها تمظهر أكثر تعقيدًا لأنها تتلبّس بالمشاعر، وتتغذى من العلاقة.

في علم النفس الاجتماعي، هناك مفهوم يُعرف باسم "الانحياز التأكيدي" (Confirmation Bias)، وهو ميل العقل إلى البحث عن الأدلة التي تؤكد ما يؤمن به أصلًا، وتجاهل ما يعارضه. فحين يعتقد الفرد أن شريكه لا يكفي، يبدأ لا شعوريًا في تصيّد اللحظات التي تدعم هذا الاعتقاد، ويغض الطرف عن اللحظات التي تفنّده. هذه الآلية ليست سوء نية، بل وظيفة دفاعية للعقل تحميه من التناقض.

يضاف إلى ذلك ما يعرف بـ**"تأثير النقص"** (Negativity Bias)، وهو ميل الإنسان لتضخيم الأحداث أو السمات السلبية، وتسجيلها بذاكرة أعمق من الأحداث الإيجابية. من هنا نفهم لماذا تلتصق بنا لحظة "خذلان" أو "عدم استجابة" من الشريك، أكثر من التصاق ألف لحظة دعم واحتواء. عقل الإنسان ببساطة لا يوزع الانتباه بالتساوي، بل ينجذب لما يُهدد الصورة المثالية التي بناها في خياله.

علم النفس العاطفي أيضًا يكشف بُعدًا خفيًا في هذه الظاهرة من خلال نظرية الحرمان النسبي (Relative Deprivation): حين يقارن الإنسان نفسه – أو شريكه – بغيره، لا بهدف تحسين واقعه، بل للشعور بنقصه. وهنا لا يصبح ما تملكه غير كافٍ بذاته، بل يصبح "غير كافٍ" لأنه أقل مما يمتلكه الآخرون، أو هكذا يظن. والمفارقة أن كثيرًا من هذه المقارنات مبنية على مظاهر خارجية لا تعكس العمق العاطفي الحقيقي لأي علاقة.

من جهة أخرى، تشير أبحاث علم النفس الإيجابي إلى أن السعادة – والرضا العاطفي تحديدًا – لا ترتبط بكمال الشريك أو العلاقة، بل بمدى قدرة الإنسان على إعادة تأطير تجربته الداخلية. أي: أن يدرّب نفسه على رؤية ما هو موجود بدل اجترار ما هو مفقود. هذا ما يسميه بعض الباحثين بـ**"الامتنان الإدراكي"** (Cognitive Gratitude)، وهو امتنان لا يُبنى على ما نُعطى فقط، بل على طريقة رؤيتنا لما نُعطى.

أحد أخطر نتائج عدسة النقص، من وجهة نظر علم النفس، هو تكييف العقل مع النقص كحالة مألوفة. أي أن الإنسان، دون أن يدري، يبدأ في الاعتياد على الشعور بعدم الاكتفاء، فيرفض كل حالة قد تُشعره بالهدوء أو السكينة، لأنها لا تُشبع رغبته في الشكوى أو التحليل أو التحدي. وهذا ما يربط عدسة النقص بنمط من الإدمان النفسي على "التقييم المستمر"، الذي يحرم الإنسان من أن يعيش علاقته، لأنه مشغول دومًا في مراقبتها.

بالتالي، ليست عدسة النقص مجرد خلل في التوقعات، بل اضطراب في الرؤية. رؤية مشروطة برغبة لا تنتهي، وذهن يحاكم كل شيء على أساس ما لم يكن، لا ما كان. وهي من أبرز الأسباب التي تُفسّر لماذا تنهار كثير من العلاقات رغم توفر معظم عناصر النجاح فيها.

حفرة اللاكفاية: حين نُمرّن عقولنا على السقوط

إن أخطر ما نفعله في العلاقات، هو أن نُهيئ وعينا – يومًا بعد يوم – ليتمرد على الكفاية. أن نُدرّب ذواتنا على الاكتشاف السلبي، وننشئ عقلًا يتغذّى على نقص النسبة، لا كفاية الجوهر. وما يبدأ كتمرّد صغير على عادة لم تُعجبك، ينتهي بانفصال داخلي عن المعنى الكامل للشراكة.

والنتيجة؟ شتات لا يُرمم، وهوس لا يُشفى، ورغبة دائمة في العودة إلى الماضي ليس حبًا في الآخر، بل حنينًا لذاتك القديمة التي كنت تراها قبيحة، ثم أدركت أنها كانت أكثر صفاءً مما أصبحت عليه.

حين يُصبح الاكتفاء بطولة لا يُدركها إلا المتأخرون

الكارثة ليست أن تخسر شخصًا لم يكن يُناسبك، بل أن تخسر من كان يُشبهك لأنك درّبت عقلك على ألا يرى الشبه، بل يرى فقط الفارق. أن تُدمن لعبة الـ10%، وتنسى أن ما كنت تملكه كان يكفيك، لو أنك فقط أحسنت النظر.

في النهاية، العلاقات لا تنهار من كبر الأخطاء، بل من ضيق الإدراك. ومن لا يرى الكفاية، لن يُدرك الاكتمال حتى وهو بين يديه.